الخطيب البغدادي
203
تاريخ بغداد
فجلس وجلسنا ، فقال المأمون ليحيى : مالي أراك متغيرا ؟ قال : هو غم يا أمير لمؤمنين لما حدث في الإسلام ، قال : وما حدث فيه ؟ قال النداء بتحليل الزنا . قال : الزنا ؟ قال : نعم المتعة زنا ، قال : ومن أين قلت هذا ؟ قال : من كتاب الله ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى : ( قد أفلح المؤمنون ) إلى قوله : ( والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) ( المؤمنون 1 : 7 ) يا أمير المؤمنين زوجه المتعة ملك يمين ؟ قال : لا ! قال : فهي الزوجة التي عنى الله ترث وتورث ، ويلحق الولد ، ولها شرائطها ؟ قال : لا ! قال : فقد صار متجاوز هذين من العادين ، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد بن علي عن علي بن أبي طالب قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها ، بعد أن كان أمر بها . فالتفت إلينا المأمون ، فقال : أمحفوظ هذا من حديث الزهري ؟ فقلنا : نعم يا أمير المؤمنين ، رواه جماعة . منهم مالك . فقال : أستغفر الله ، نادوا بتحريم المتعة ، فنادوا بها . قال الصولي : فسمعت إسماعيل بن إسحاق يقول - وقد ذكر يحيى بن أكثم - فعظم أمره وقال : كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله ، وذكر هذا اليوم . فقال له : رجل فما كان يقال ؟ قال : معاذ الله أن تزول عدالة مثله بتكذيب باغ وحاسد ، وكانت كتبه في الفقيه أجل كتب ، فتركها الناس لطولها . أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد المتوثي ، أخبرنا محمد بن الحسن بن زياد النقاش أن أحمد بن يحيى ثعلبا أخبرهم قال : أخبرنا أبو العالية الشامي - مؤدب ولد المأمون - قال : لقى رجل يحيى بن أكثم - وهو يومئذ على قضاء القضاة - فقال له أصلح الله القاضي ، كم آكل ؟ قال : فوق الجوع ودون الشبع . قال : فكم أضحك ؟ قال : حتى يسفر وجهك ولا يعلو صوتك قال : فكم أبكي ؟ قال : لا تمل البكاء من خشية الله تعالى . قال : فكم أخفي من عملي ؟ قال : ما استطعت . قال : فكم أظهر منه ؟ قال : ما يقتدي بك البر الخير ، ويؤمن عليك قول الناس . فقال الرجل : سبحان الله ، قول قاطن وعمل ظاعن . قلت : وكان المتوكل على الله لما استخلف صير يحيى بن أكثم في مرتبة أحمد بن أبي دؤاد وخلع عليه خمس خلع ، وولى يحيى وعزل مدة ، ثم جعل في مرتبته جعفر بن عبد الواحد الهاشمي .